الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

487

المنقذ من التقليد

فقد ذكر أبو إسحاق في كتاب المبعث « أن المشركين كانوا يقولون ذلك » . واللّه تعالى حكى عنهم ذلك في موضع آخر فقال : « وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ » « 1 » فحكى اللّه تعالى ذلك عنهم رادّا عليهم بقوله : « وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً » « 2 » أي : إن كان الأمر كما يزعمون أنّ في آذانهم وقرا وفي قلوبهم أكنّة فما يسمعون ولا يفهمون ، فلم قال : إذا سمعوا ذكر اللّه في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا ، وهذا تأويل ذكره الواقديّ وغيره . وقيل : المراد بذلك المثل أي مثلهم في إعراضهم عن التأمّل لما يسمعونه من كلام اللّه كأنّا جعلنا بينك وبينهم حجابا مستورا ، وكأنا جعلنا على قلوبهم أكنة ، وكأنّ في أسماعهم وقرا ، كما قال تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً » « 3 » ، وكما قال تعالى : « إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ، وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » « 4 » . وهذا طريق التشبيه لحالهم بمن هذه سبيله ، لا أنّهم كانوا كذلك على الحقيقة ، كما يقول أحدنا لمن هو معرض عن الحقّ الظاهر : هو أعمى وهو أصمّ ، وهو جماد ، ونحن نعلم أنّ أيديهم لم تكن مغلولة ولا كانت أبصارهم مغشاة لا يبصرون . فعلمنا أنّه على طريق ضرب المثل به ، قال الشاعر . كيف الرشاد وقد صرنا إلى نفر * هم عن الرشد أغلال وأقياد وفي التوراة : « إنّ اللّه تعالى قال : وأنا أقسي قلب فرعون ، فلا يحبّك يا موسى » .

--> ( 1 ) فصلت : 5 . ( 2 ) الاسراء : 46 . ( 3 ) لقمان : 7 . ( 4 ) يس : 9 .